الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

79

مختصر الامثل

ثم تشير الآية إلى واحدة أخرى من خرافاتهم تقضي بمنع ركوب بعض الدواب : « وَأَنْعَامٌ حُرّمَتْ ظُهُورُهَا » . ثم تشير إلى القسم الثالث من الأحكام الباطلة فتقول : « وَأَنْعَامٌ لَّايَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا » . ولعلها إشارة إلى الحيوانات التي كانوا يذكرون أسماء أصنامهم عليها فقط عند ذبحها ، أو هي المطايا التي كانوا يحرّمون ركوبها للذهاب إلى الحج . والأعجب من ذلك أنّهم لم يقنعوا بتلك الأحكام الفارغة ، بل راحوا ينسبون إلى اللَّه كل ما يخطر لهم من كذب : « افْتِرَاءً عَلَيْهِ » . وفي ختام الآية ، وبعد ذكر تلك الأحكام المصطنعة ، تقول إنّ اللَّه : « سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ » . الآية التالية تشير إلى حكم خرافي آخر بشأن لحوم الحيوانات ، يقضي بأنّ حمل هذه الأنعام يختص بالذكور ، وهو حرام على الزوجات ، أمّا إذا خرج ما في بطونها ميتاً ، فكلّهم شركاء فيه : « وَقَالُوا مَا فِى بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ » . ويشجب القرآن هذا الحكم الجاهلي ، ويقرر أنّ اللَّه سوف يعاقبهم على هذه الأوصاف ، « سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ » . وختاماً تقول : « إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ » . فهو عليم بأعمالهم وأقوالهم وإتهاماتهم الكاذبة ، كما أنّه يعاقبهم وفق حساب وحكمة . قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ( 140 ) تعقيباً على الآيات السابقة التي تحدّثت عن بعض الأحكام التافهة والتقاليد القبيحة في عصر الجاهلية الشائن ، كقتل الأبناء قرباناً للأصنام ، ووأد البنات خشية العار ، وتحريم بعض نعم اللَّه الحلال ، تدين هذه الآية كل تلك الأعمال بشدّة ، في سبعة تعبيرات وفي جمل قصيرة نافذة توضّح حالهم . ففي البداية تقول : « قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ » . وكل صفة من هذه الصفات الثلاث كافية لإظهار قبح أعمالهم ، فأيّ علم يجيز